بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ

( ۱ )

لَمّا اَجْمَعَ اَبُوبَكْرٍ عَلى مَنْعِ فاطِمَةَ  عليها السلام فَدَكاً وَ صَرَفَ عامِلَها مِنْها وَ بَلَغَها ذَلِكَ، لاثَتْ خِمارَها عَلى رَأْسِها وَ اشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها، وَ اَقْبَلَتْ فى لُمَّةٍ مِنْ حَفَدَتِها وَ نِساءِ قَوْمِها، تَجُرُّ أَدْراعَها، تَطَأُ ذُيُولَها، ما تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسُولِ اللّه‏ِ  صلى ‏الله ‏عليه‏ و ‏آله حَتّى دَخَلَتْ عَلى اَبِى ‏بَكْرٍ الْمَسْجِدَ وَ هُوَ فى حَشْدٍ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الاَْنْصارِ وَ غَيْرِهِمْ. فَنِيطَتْ دُونَها وَ دُونَ النّاسِ مُلاءَةٌ فَجَلَسَتْ.
ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً ارْتَجَّتْ لَهَا الْقُلُوبُ وَ ذَرَفَتْ لَهَا الْعُيُونُ وَ اَجْهَشَ الْقَوْمُ لَها بِالْبُكاءِ وَ النَّحِيبِ، فَارْتَجَّ الْمَجْلِسُ...  ثُمَّ اَمْهَلَتْ هُنَيَّةً حَتّى اِذا سَكَنَ نَشِيجُ الْقَوْمِ وَ هَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ، اِفْتَتَحَتِ الْكَلامَ بِحَمْدِ اللّه‏ِ وَ الثَّناءِ عَلَيْهِ وَ الصَّلاةِ عَلى رَسُولِهِ، فَعادَ الْقَوْمُ فى بُكائِهِمْ، فَلَمّا اَمْسَكُوا عادَتْ  عليهاالسلام فى كَلامِها فَقالَتْ:
( ۲ )
اَبْتَدِءُ بِحَمْدِ مَنْ هُوَ اَوْلى بِالْحَمْدِ وَ الطَّوْلِ وَ الْمَجْدِ. اَلْحَمْدُ للّه‏ِِ عَلى ما اَنْعَمَ، وَ لَهُ الشُّكْرُ عَلى ما اَلْهَمَ، وَ الثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ ابْتَدَأَها، وَ سُبُوغِ آلاءٍ اَسْداها، وَ اِحْسانِ مِنَنٍ والاها.
اَحْمَدُهُ بِمَحامِدَ جَمَّ عَنِ الاِْحْصاءِ عَدَدُها، وَ نَأى عَنِ الْمُجازاةِ أَمَدُها،: وَ تَفاوَتَ عَنِ الاِْدْراكِ أَبَدُها، وَ نَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بِالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَ اسْتَخْذَى الْخَلْقَ بِاِنْزالِها، وَ اسْتَحْمَدَ اِلَى الْخَلائِقِ بِاِجْزالِها، وَ ثَنّى بِالنَّدْبِ اِلى اَمْثالِها.
وَ اَشْهَدُ اَنْ لا اِلهَ اِلاَّ اللّه‏ُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الاِْخْلاصَ تَأْوِيلَها، و ضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَ اَبانَ فِى الْفِكَرِ مَعْقُولَها.
اَلْمُمْتَنِـعُ مِنَ الاَْبْصارِ رُؤْيَتُهُ، وَ مِنَ الاَْلْسُنِ صِفَتُهُ، وَ مِنَ الاَْوْهامِ الاِْحاطَةُ بِهِ. اِبْتَدَعَ الاَْشْياءَ لا مِنْ شَىْ‏ءٍ كانَ قَبْلَها، وَ اَنْشَأَها بِلاَ احْتِذاءِ اَمْثِلَةٍ اِمْتَثَلَها.
كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَ ذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ اِلى تَكْوِينِها، وَ لا فائِدَةٍ لَهُ فى تَصْوِيرِها، اِلاَّ تَثْبِيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَ تَنْبِيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَ اِظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَ دَلالَةً عَلى رُبُوبِيَّتِهِ وَ تَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وَ اِعْزازاً لِدَعْوَتِهِ. ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ عَلى طاعَتِهِ وَ وَضَعَ الْعِقابَ عَلى مَعْصِيَتِهِ، ذِيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نَقِمَتِهِ، وَ حِياشَةً لَهُمْ اِلى جَنَّتِهِ.
( ۳ )
وَ اَشْهَدُ اَنَّ أَبِى مُحَمَّداً  صلى‏ الله‏ عليه ‏و‏آله عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، اِخْتارَهُ قَبْلَ اَنْ يَجْتَبِلَهُ، وَ اصْطَفاهُ قَبْلَ اَنْ يَبْتَعِثَهُ، وَ سَمّاهُ قَبْلَ اَنْ يَسْتَنْجِبَهُ..
اِذِ الْخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَ بِسِتْرِ الاَْهاوِيلِ مَصُونَةٌ، وَ بِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللّه‏ِ تَعالى بِمَآئِلِ الْأُمُورِ، وَ اِحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَ مَعْرِفَةً بِمَواقِعِ الْمَقْدُورِ.
اِبْتَعَثَهُ اللّه‏ُ اِتْماماً لِأَمْرِهِ، وَ عَزِيمَةً عَلى اِمْضاءِ حُكْمِهِ، وَ اِنْفاذاً لِمَقادِيرِ حَتْمِهِ. فَرَأَى الْأُمَمَ فِرَقاً فى اَدْيانِها، عُكَّفاً عَلى نِيرانِها، عابِدَةً لاَِوْثانِها، مُنْكِرَةً للّه‏ِِ مَعَ عِرْفانِها.
فَأَنارَ اللّه‏ُ بِأَبِى مُحَمَّدٍ  صلى‏ الله‏ عليه ‏و‏آله ظُلَمَها، وَ فَرَّجَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَها، وَ جَلا عَنِ الاَْبْصارِ عَمَهَها، وَ عَنِ الاَْنْفُسِ غُمَمَها..
وَ قامَ فِى النّاسِ بِالْهِدايَةِ، فَاَنْقَذَهُمْ مِنَ الْغَوايَةِ، وَ بَصَّرَهُمْ مِنَ الْعَمايَةِ، وَ هَداهُمْ اِلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَ دَعاهُمْ اِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
ثُمَّ قَبَضَهُ اللّه‏ُ عَزَّ وَ جَلَّ اِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَ رَحْمَةٍ وَ اخْتِيارٍ، رَغْبَةً بِمُحَمَّدٍ  صلى‏ الله ‏عليه ‏و‏آله عَنْ تَعَبِ هَذِهِ الدَّارِ، مَوْضُوعاً عَنْهُ اَعْباءُ الاَْوْزارِ، مَحْفُوفاً بِالْمَلائِكَةِ الاَْبْرارِ، وَ رِضْوانِ الرَّبِّ الْغَفّارِ، وَ مُجاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبّارِ.
صَلَّى اللّه‏ُ عَلى أَبِى، نَبِيِّهِ، وَ أَمِينِهِ عَلَى الْوَحْىِ وَ صَفِيِّهِ، وَ خِيَرَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَ رَضِيِّهِ.
فَعَلَيْهِ الصَّلاةُ وَ السَّلامُ وَ رَحْمَةُ اللّه‏ِ وَ بَرَكاتُهُ.
( ۴ )
ثُمَّ الْتَفَتَتْ  عليهاالسلام اِلى أَهْلِ الْمَجْلِسِ وَ قالَتْ لِجَمِيعِ الْمُهاجِرِينَ وَ الاَْنْصارِ: وَ اَنْتُمْ، عِبادَ اللّه‏ِ، نَصْبُ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ، وَ حَمَلَةُ دِينِهِ وَ وَحْيِهِ، وَ أُمَناءُ اللّه‏ِ عَلى اَنْفُسِكُمْ، وَ بُلَغاؤُهُ اِلَى الْأُمَمِ حَوْلَكُمْ، زَعِيمُ حَقٍّ للّه‏ِِ فِيكُمْ، وَ عَهْدٌ قَدَّمَهُ اِلَيْكُمْ.
( ۵ )
وَ نَحْنُ بَقِيَّةٌ اِسْتَخْلَفَها عَلَيْكُمْ، وَ مَعَنا كِتابُ اللّه‏ِ النّاطِقُ، وَ الْقُرْآنُ الصّادِقُ، وَ النُّورُ السّاطِعُ، وَ الضِّياءُ اللاّمِعُ، بَيِّنَةٌ بَصائِرُهُ، وَ آىٌ مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، و بُرْهانٌ فِينا مُتَجَلِّيَةٌ ظَواهِرُهُ، مُدِيمٌ لِلْبَرِيَّةِ اسْتِماعُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ اَشْياعُهُ...
قائِدٌ اِلَى الرِّضْوانِ اتِّباعُهُ، مُؤَدٍّ اِلَى النَّجاةِ اسْتِماعُهُ، فِيهِ تِبْيانُ حُجَجِ اللّه‏ِ الْمُنَوَّرَةِ، وَ مَواعِظُهُ الْمُكَرَّرَةُ، وَ عَزَائِمُهُ الْمُفَسَّرَةُ، وَ مَحارِمُهُ الْمُحَذَّرَةُ، وَ اَحْكامُهُ الْكافِيَةُ، وَ بَيِّناتُهُ الْجالِيَةُ، وَ جُمَلُهُ الشّافِيَةُ، وَ فَضائِلُهُ الْمَنْدُوبَةُ، وَ رُخَصُهُ الْمَوْهُوبَةُ، وَ رَحْمَتُهُ الْمَرْجُوَّةٌ وَ شَرائِعُهُ الْمَكْتُوبَةُ.
( ۶ )
فَفَرَضَ اللّه‏ُ الاْءِيمانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَ الصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ، وَ الزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَ تَزْيِيداً فِى الرِّزْقِ، وَ الصِّيامَ تَثْبِيتاً لِلاِْخْلاصِ، وَ الْحَجَّ تَشْيِيداً لِلدِّينِ وَ اِحْياءً لِلسُّنَنِ وَ اِعْلاناً لِلشَّرِيعَةِ، وَ الْعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ.
وَ تَمْكِيناً لِلدِّينِ، وَ طاعَتَنا أَهْلَ الْبَيْتِ نِظاماً لِلْمِلَّةِ. وَ إِمامَتَنا أَماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَ الْجِهادَ عِزّاً لِلاِْسْلامِ، وَ الصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الْأَجْرِ، وَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَ النَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ تَنْزِيهاً لِلدِّينِ، وَ بِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَ صِلَةَ الاَْرْحامِ مَنْسَأَةً فِى الْعُمْرِ وَ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَ الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّماءِ، وَ الْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْرِيضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَ تَوْفِيَةَ الْمَكايِيلِ وَ الْمَوازِينِ تَغْيِيراً لِلْبَخْسِ، وَ النَّهْىَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَ اجْتِنابَ قَذْفِ الْمُحْصَناتِ حِجاباً لِلَّعْنَةِ، وَ مُجانَبَةَ السَّرِقَةِ اِيجاباً لِلْعِفَّةِ، وَ التَّنَزُّهَ عَنْ أَكْلِ مالِ الْيَتِيمِ وَ الاِْسْتِيثارِ بِهِ إِجارَةً مِنَ الظُّلْمِ، وَ النَّهْىَ عَنِ الزِّنا تَحَصُّناً مِنَ الْمَقْتِ، وَ الْعَدْلَ فِى الاَْحْكامِ اِيناساً لِلرَّعِيَّةِ، وَ تَرْكَ الْجَوْرِ فِى الْحُكْمِ اِثْباتاً لِلْوَعِيدِ، وَ حَرَّمَ اللّه‏ُ الشِّرْكَ اِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. فَـ «اتَّقوُا اللّه‏َ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لاتَمُوتُنَّ اِلاّ وَ اَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» وَ لا تَتَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَ اَطِيعُوهُ فِيما أَمَرَكُمْ بِهِ وَ انْتَهُوا عَمّا نَهاكُمْ عَنْهُ، وَ اتَّبِعُوا الْعِلْمَ وَ تَمَسَّكُوا بِهِ، فَـ «اِنَّما يَخْشَى اللّه‏َ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» فَاحْمَدُوا اللّه‏َ الَّذِى بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْتَغى مَنْ فِى السَّماواتِ وَ مَنْ فِى الْأَرْضِ اِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، فَنَحْنُ وَسِيلَتُهُ فى خَلْقِهِ وَ نَحْنُ آلُ رَسُولِهِ وَ نَحْنُ خاصَّتُهُ وَ مَحَلُّ قُدْسِهِ وَ نَحْنُ حُجَّةُ غَيْبِهِ وَ وَرَثَةُ اَنْبِيائِهِ.
( ۷ )
ثُمَّ قالَتْ  عليها السلام: اَيُّهَا النّاسُ، اِعْلَمُوا اَنِّى فاطِمَةُ وَ أَبِى مُحَمَّدٌ  صلى‏ الله‏ عليه ‏و‏آله رَسُولُ رَبِّكُمْ وَ خاتَمُ اَنْبِيائِكُمْ! اَقُولُها عَوْداً عَلى بَدْءٍ، وَ لا اَقُولُ ما اَقُولُ غَلَطاً، وَ لا اَفْعَلُ ما اَفْعَلُ شَطَطاً وَ ما اَنَا مِنَ الْكاذِبِينَ. فَاسْمَعُوا اِلَىَّ بِاَسْماعٍ واعِيَةٍ وَ قُلُوبٍ راعِيَةٍ.
( ۸ )
ثُمَّ قالَتْ  عليهاالسلام: «بِسْمِ اللّه‏ِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (توبه / فَاِنْ تَعْزُوهُ وَ تَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أَبِى دُونَ نِسائِكُمْ! وَ أَخَا ابْنِ عَمِّى دُونَ رِجالِكُمْ وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِىُّ اِلَيْهِ. فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعاً بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، حائِداً عَنْ سُنَّتِهِمْ، ضارِباً لِثَبَجِهِمْ، آخِذاً بِاَكْظامِهِمْ، داعِياً اِلى سَبِيلِ رَبِّهِ «بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» يَجُذُّ الاَْصْنامَ، وَ يَنْكُتُ الْهامَ، حَتّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَ وَلَّوُا الدُّبُرَ، وَ حَتّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ وَ اَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَ نَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ، وَ هَدَأَتْ فَوْرَةُ الْكُفْرِ، وَ خَرِسَتْ شَقاشِقُ الشَّياطِينِ، وَ طاحَ وَشِيظُ النِّفاقِ.
وَ انْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَ الشِّقاقِ، وَ فُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الاِْخْلاصِ، فى نَفَرٍ مِنَ الْبِيضِ الْخِماصِ. «وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَاَنْقَذَكُمْ مِنْها»، نَبِيُّهُ، تَعْبُدُونَ الْأَصْنامَ وَ تَسْتَقْسِمُونَ بِالاَْزْلامِ، مُذْقَةَ الشّارِبِ، وَ نُهْزَةَ الطّامِعِ، وَ قَبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَ مَوْطِئَ الاَْقْدامِ. تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ وَ تَقْتاتُونَ الْقِدَّ، اَذِلَّةً خاشِعِينَ، «تَخافُونَ اَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ» مِنْ حَوْلِكُمْ.
( ۹ )
فَاَنْقَذَكُمُ اللّه‏ُ تَبَارَكَ وَ تَعَالى بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  صلى ‏الله ‏عليه ‏و‏آله، بَعْدَ اللَّتَيّا وَ الَّتِى، وَ بَعْدَ اَنْ مُنِىَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَ ذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَ مَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتابِ. «كُلَّما اَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ اَطْفَأَهَا اللّه‏ُ»، اَوْ نَجَمَ قَرْنُ الضَّلالَةِ اَوْ فَغَرَتْ فاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ اَخاهُ عَلِيّاً فى لَهَواتِها، فَلايَنْكَفِئُ حَتّى يَطَأَ صِماخَها بِاَخْمَصِهِ، وَ يُخْمِدَ لَهَبَها بِحَدِّ سَيْفِهِ، مَكْدُوداً دَؤُوباً فى ذاتِ اللّه‏ِ مُجْتَهِداً فى أَمْرِ اللّه‏ِ قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللّه‏ِ سَيِّداً فى اَوْلِياءِ اللّه‏ِ، مُشَمِّراً ناصِحاً مُجِدّاً كادِحاً، لاتَأْخُذُهُ فِى اللّه‏ِ «لَوْمَةُ لائِمٍ» وَ اَنْتُمْ فى بُلَهْنِيَةٍ وادِعُونَ آمِنُونَ فَرِحُونَ، وَ فى رَفاهِيَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ فَكِهُونَ، تَأْكُلُونَ الْعَفْوَ وَ تَشْرَبُونَ الصَّفْوَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوائِرَ، وَ تَتَوَكَّفُونَ الاَْخْبارَ، وَ تَنْكِصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَ تَفِرُّونَ عِنْدَ الْقِتالِ.
( ۱۰ )
فَلَمَّا اخْتارَ اللّه‏ُ لِنَبِيِّهِ دارَ اَنْبِيائِهِ وَ مَأْوى اَصْفِيائِهِ وَ اَتَمَّ عَلَيْهِ ما وَعَدَهُ، ظَهَرَتْ فِيكُمْ حَسِيكَةُ النِّفاقِ وَ سَمَلَ جِلْبابُ الدِّينِ وَ اَخْلَقَ ثَوْبُهُ وَ نَحَلَ عَظْمُهُ وَ اَوْدَتْ رِمَّتُهُ وَ نَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينَ وَ نَبَغَ خامِلُ الاَْقَلِّينَ، وَ هَدَرَ فَنِيقُ الْمُبْطِلِينَ، فَخَطَرَ فى عَرَصاتِكُمْ. وَ اَطْلَعَ الشَّيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ هاتِفاً بِكُمْ. فَدَعاكُمْ فَاَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجِيبِينَ، وَ لِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ.
ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ ناهِضِينَ خِفافاً، وَ اَحْمَشَكُمْ فَأَلْفاكُمْ غِضاباً، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ إِبِلِكُمْ وَ اَوْرَدْتُمُوها غَيْرَ شِرْبِكُمْ. هذا وَ الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَ الْكَلْمُ رَحِيبٌ وَ الْجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ وَ الرَّسُولُ لَمّا يُقْبَرْ.
بِداراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ! «أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَ اِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» فَهَيْهاتَ مِنْكُمْ وَ كَيْفَ بِكُمْ وَ «اَنّى تُؤْفَكُونَ»؟! وَ كِتابُ اللّه‏ِ بَيْنَ اَظْهُرِكُمْ. أُمُورُهُ ظاهِرَةٌ وَ اَحْكامُهُ زاهِرَةٌ وَ اَعْلامُهُ باهِرَةٌ وَ زَواجِرُهُ لائِحَةٌ، وَ أَوامِرُهُ واضِحَةٌ، قَدْخَلَّفْتُمُوهُ وَرآءَ ظُهُورِكُمْ.
أَرَغْبَةً ـ وَيْحَكُمْ ـ عَنْهُ تُرِيدُونَ أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ؟ «بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً» «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاِْسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِى الاْخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» ثُمَّ لَمْ‏تَلْبَثُوا اِلاّ رَيْثَ اَنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُها وَ يَسْلَسَ قِيادُها، ثُمَّ أَخَذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها وَ تُهَيِّجُونَ جَمْرَتَها.
وَ تَسْتَجِيبُونَ لِهُتافِ الشَّيْطانِ الْغَوِىِّ وَ اِطْفاءِ اَنْوارِ الدِّينِ الْجَلِىِّ وَ اِهْمالِ سُنَنِ النَّبِىِّ الصَّفِىِّ، تَشْرَبُونَ حَسْواً فِى ارْتِغاءٍ.
وَ تَمْشُونَ لِأَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ فِى الْخَمَرِ وَ الضَّرَّاءِ وَ نَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ حَزِّ الْمُدى، وَ وَخْزِ السِّنانِ فِى الْحَشا.
( ۱۱ )
وَ اَنْتُمُ الاْنَ تَزْعُمُونَ اَنْ لا إِرْثَ لَنا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ لا حَظَّ! «أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ» تَبْغُونَ؟ «وَ مَنْ اَحْسَنُ مِنَ اللّه‏ِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». أَفَلا تَعْلَمُونَ؟! بَلى، قَدْ تَجَلّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضّاحِيَةِ اَنِّى إِبْنَتُهُ.
أَيْهاً مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَ اُبْتَزُّ إِرْثَ أَبِى؟ يَابْنَ أَبِى‏قُحافَةَ، أَفِى كِتابِ اللّه‏ِ اَنْ تَرِثَ اَباكَ وَ لا اَرِثَ أَبِى؟! لَقَدْ جِئْتَ «شَيْئاً فَرِيّاً»، جُرْأَةً مِنْكُمْ عَلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَ نَكْثِ الْعَهْدِ! أَ فَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّه‏ِ وَ نَبَذْتُمُوهُ «وَراءَ ظُهُورِكُمْ»؟
اِذْ يَقُولُ اللّه‏ُ تَبارَكَ وَ تَعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ»، مَعَ ما قَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيى وَ زَكَرِيّا اِذْ قالَ: «رَبِّ... فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»، وَ قالَ: «وَ اُولُوا الاَْرْحامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى بِبَعْضٍ فى كِتابِ اللّه‏ِ»، وَ قالَ: «يُوصِيكُمُ اللّه‏ُ فى اَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»، وَ قالَ: «اِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الاَْقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ» فَزَعَمْتُمْ اَنْ لا حَظَّ لِى وَ لا إِرْثَ لِى مِنْ أَبِى وَ لا رَحِمَ بَيْنَنا!! أَفَخَصَّكُمُ اللّه‏ُ بِآيَةٍ اَخْرَجَ أَبِى مِنْها؟ أَمْ تَقُولُونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لايَتَوارَثُونَ؟!
أَوَ لَسْتُ اَنَا وَ أَبِى مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ؟ أَمْ اَنْتُمْ اَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَ عُمُومِهِ مِنْ أَبِى وَ ابْنِ عَمِّى؟! فَدُونَكَها مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً مَزْمُومَةً، تَكُونُ مَعَكَ فى قَبْرِكَ وَ تَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ وَ نَشْرِكَ.
فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللّه‏ُ وَ الزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ وَ الْمَوْعِدُ الْقِيامَةُ، وَ عَمّا قَلِيلٍ تُؤْفَكُونَ وَ عِنْدَ السّاعَةِ «يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ» وَ لايَنْفَعُكُمْ اِذْ تَنْدَمُونَ، «وَ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ» «مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ».
( ۱۲ )
ثُمَّ الْتَفَتَتْ  عليهاالسلام اِلى قَبْرِ أَبِيها فَخَنَقَتْهَا الْعَبْرَةُ وَ قالَتْ:
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ اَنْباءٌ وَ هَنْبَثَةٌ لَوْ كُنْتَ شَاهِدَها لَمْ‏تَكْثُرِ الْخَطَبُ اِنَّا فَقَدْناكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَها وَ اخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَ لا تَغِبُ وَ كُلٌّ اَهْلٍ لَهُ قُرْبى وَ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ الاِْلـهِ عَلَى الاَْدْنِينَ مُقْتَرِبٌ اَبْدَتْ رِجالٌ لَنا نَجْوى صُدُورِهِمُ لَمّا مَضَيْتَ وَ حالَتْ دُونَكَ التُّرَبُ تَجَهَّمَتْنا رِجالٌ وَ اسْتُخِفَّ بِنا لَمّا فُقِدْتَ وَ كُلُّ الْأَرْضِ مُغْتَصَبٌ سَيَعْلَمُ الْمُتَوَلِّى ظُلْمَ حامَتِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ اَنّى سَوْفَ يَنْقَلِبُ وَ كُنْتَ بَدْراً وَ نُوراً يُسْتَضاءُ بِهِ عَلَيْكَ تَنْزِلُ مِنْ ذِى الْعِزَّةِ الْكُتُبُ وَ كانَ جِبْرِيلُ بِالاْياتِ يُؤْنِسُنا فَقَدْ فُقِدْتَ وَ كُلُّ الْخَيْرِ مُحْتَجِبٌ ضاقَتْ عَلَىَّ بِلادِى بَعْدَ ما رَحُبَتْ وَ سِيمَ سِبْطاكَ خَسْفا فِيهِ لِى نَصَبٌ فَلَيْتَ قَبْلَكَ كانَ الْمَوْتُ صادَفَنا لَمّا مَضَيْتَ وَ حالَتْ دُونَكَ الْكُثُبُ اِنّا رُزِئْنا بِما لَمْ‏يُرْزَ ذُو شَجَنٍ مِنَ الْبَرِيَّةِ لا عُجْمٌ وَ لا عَرَبٌ فَسَوْفَ نَبْكِيكَ ما عِشْنا وَ ما بَقِيَتْ لَنَا الْعُيُونُ بِتِهْمالٍ لَهُ سَكَبٌ وَ وَصَلَتْ ذلِكَ بِاَنْ قالَتْ:
قَدْ كُنْتُ ذاتَ حَمِيَّةٍ ما عِشْتَ لِى اَمْشِى الْبَراحَ وَ اَنْتَ كُنْتَ جَناحِى فَالْيَوْمَ اَخْضَعُ لِلذَّلِيلِ وَ اَتَّقِى مِنْهُ وَ اَدْفَعُ ظالِمِى بِالرّاحِ وَ اِذا بَكَتْ قُمْرِيَّةٌ شَجْناً لَها لَيْلاً عَلى غُصْنٍ بَكَيْتُ صَباحِى
( ۱۳ )
ثُمَّ رَمَتْ بِطَرْفِها نَحْوَ الاَْنْصارِ فَقالَتْ:
يا مَعْشَرَ الْبَقِيَّةِ، وَ اَعْضادَ الْمِلَّةِ، وَ حَضَنَةَ الاِْسْلامِ! ما هذِهِ الْفَتْرَةُ عَنْ نُصْرَتِى وَ الْوِنْيَةُ عَنْ مَعُونَتِى وَ الْغَمِيزَةُ فى حَقِّى وَ السِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِى؟!
أَما كانَ رَسُولُ اللّه‏ِ أَبِى  صلى‏ الله‏ عليه ‏و‏آله يَقُولُ: «الْمَرْءُ يُحْفَظُ فى وُلْدِهِ»؟ سَرْعانَ ما اَحْدَثْتُمْ، وَ عَجْلانَ ذا إِهالَةً! وَ لَكُمْ طاقَةٌ بِما اُحاوِلُ، وَ قُوَّةٌ عَلى ما اَطْلُبُ وَ اُزاوِلُ.
أَتَقُولُونَ ماتَ مُحَمَّدٌ  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم رَسُولُ اللّه‏ِ؟
فَخَطْبٌ وَ اللّه‏ِ جَلِيلٌ، اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ، وَ اسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَ فُقِدَ راتِقُهُ وَ اُظْلِمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَ اكْتَأَبَتْ خِيَرَةُ اللّه‏ِ وَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ انْتَثَرَتِ النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَ اَكْدَتِ الاْمالُ، وَ خَشَعَتِ الْجِبالُ وَ اُكِلَتِ الاَْمْوالُ، وَ اُضِيعَ الْحَرِيمُ وَ اُذِيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَماتِهِ، وَ فُتِنَتِ الْأُمَّةُ وَ غَشِيَتِ الظُّلْمَةُ وَ ماتَ الْحَقُّ.
فَتِلْكَ وَ اللّه‏ِ النّازِلَةُ الْكُبْرى، وَ الْمُصِيبَةُ الْعُظْمى، لا مِثْلُها نازِلَةٌ وَ لا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ.
اَعْلَنَ بِها كِتابُ اللّه‏ِ فى اَفْنِيَتِكُمْ وَ فى مُمْساكُمْ وَ مُصْبَحِكُمْ، يَهْتِفُ بِها فى اَسْماعِكُمْ هِتافاً وَ صُراخاً وَ تِلاوَةً وَ اِلْحاناً.
وَ لَقَبْلَهُ ما حَلَّتْ بِاَنْبِياءِ اللّه‏ِ وَ رُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَ قَضاءٌ حَتْمٌ، «وَ ما مُحَمَّدٌ اِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَاِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى اَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه‏َ شَيْئاً وَ سَيَجْزِى اللّه‏ُ الشّاكِرِينَ»
( ۱۴ )
أَيْهاً بَنِى قَيْلَةَ! أَاُهْضَمُ تُراثَ أَبِى وَ اَنْتُمْ بِمَرْأًى مِنِّى وَ مَسْمَعٍ وَ مُنْتَدًى وَ مَجْمَعٍ؟ تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ وَ تَشْمَلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَ فِيكُمُ الْعُدَّةُ وَ الْعَدَدُ، وَ لَكُمُ الدّارُ وَ الْجُنَنُ وَ الاَْداةُ وَ الْقُوَّةُ، وَ عِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَ الْجُنَّةُ، تُوافِيكُمُ الدَّعْوَةُ  فَلاتُجِيبُونَ؟! وَ تَأْتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلاتُغِيثُونَ؟! وَ اَنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاحِ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَ الصَّلاحِ.
وَ اَنْتُمُ الاُْولى نُخْبَةُ اللّه‏ِ الَّتِى انْتُخِبَتْ، وَ الْخِيَرَةُ الَّتِى اخْتِيرَتْ لَنا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَبادَيْتُمُ الْعَرَبَ وَ بادَهْتُمُ الْأُمُورَ وَ تَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَ التَّعَبَ، وَ ناهَضْتُمُ الْأُمَمَ وَ كافَحْتُمُ الْبُهَمَ. لانَبْرَحُ وَ تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ. حَتّى اسْتَقامَتْ لَكُمْ مِنَّا الدّارُ وَ دارَتْ لَكُمْ بِنا رَحَى الاِْسْلامِ وَ دَرَّ حَلَبُ الاَْيّامِ وَ خَضَعَتْ نُعَرَةُ الشِّرْكِ، وَ سَكَنَتْ فَوْرَةُ الاْءِفْكِ، وَ خَبَتْ نِيرانُ الْحَرْبِ، وَ هَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدِّينِ.
( ۱۵ )
فَاَنّى جُرْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ وَ اَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الاِْعْلانِ وَ نَكَصْتُمْ بَعْدَ الاِْقْدامِ وَ اَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الاْءِيمانِ وَ جَبُنْتُمْ بَعْدَ الشَّجاعَةِ، عَنْ قَوْمٍ «نَكَثُوا اَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فى دِينِكُمْ. فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ اِنَّهُمْ لا اَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ». «أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِاِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّه‏ُ اَحَقُّ اَنْ تَخْشَوْهُ اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»
( ۱۶ )
أَلا وَ قَدْ أَرى وَ اللّه‏ِ اَنْ قَدْ اَخْلَدْتُمْ اِلَى الْخَفْضِ، وَ اَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ اَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَ الْقَبْضِ، وَ رَكَنْتُمْ اِلَى الدَّعَةِ. وَ نَجَوْتُمْ بِالضِّيقِ مِنَ السَّعَةِ، فَعُجْتُمْ عَنِ الدِّينِ وَ مَجَجْتُمُ الَّذِى وَعَيْتُمْ وَ دَسَعْتُمُ الَّذِى سَوَّغْتُمْ. فَ «إِنْ تَكْفُرُوا اَنْتُمْ وَ مَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً فَاِنَّ اللّه‏َ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ» «أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لايَعْلَمُهُمْ اِلاَّ اللّه‏ُ، جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا اَيْدِيَهُمْ فى اَفْواهِهِمْ وَ قالُوا اِنّا كَفَرْنا بِما اُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ اِنّا لَفِى شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا اِلَيْهِ مُرِيبٍ»
( ۱۷ )
أَلا وَ قَدْ قُلْتُ الَّذِى قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنِّى بِالْخَذْلَةِ الَّتِى خامَرَتْكُمْ وَ الْغَدْرَةِ الَّتِى اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ. وَ لكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ وَ نَفْثَةُ الْغَيْظِ وَ خَوَرُ القَناةِ وَ ضَعْفُ الْيَقِينِ وَ بَثَّةُ الصَّدْروَ مَعْذِرَةُ الْحُجَّةِ.
فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها مُدْبِرَةَ الظَّهْرِ، مَهِيضَةَ الْعَظْمِ، خَوْراءَ الْقَناةِ، ناقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ الْجَبّارِ وَ شَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَهً‏بِـ «ـنارِ اللّه‏ِ الْمُوقَدَةِ الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الاَْفْئِدَةِ، اِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فى عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» فَبِعَيْنِ‏اللّه‏ِ ما تَفْعَلُونَ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»
( ۱۸ )
وَ اَنا ابْنَةُ «نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذابٍ شَدِيدٍ.» «فَكِيدُونِى جَمِيعاً ثُمَّ لاتُنْظِرُونَ»، فَاعْمَلُوا «اِنّا عامِلُونَ وَ انْتَظِرُوا اِنّا مُنْتَظِرُونَ»
رَبَّنَا احْكُمْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ اَنْتَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ «وَ سَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ»
«وُ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّه‏ُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ»، «وَ كُلَّ اِنْسانٍ اَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فى عُنُقِهِ»
«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ»؛ وَ كَاَنَّ الْأَمْرَ قَدْ قُصِرَ.