غَدیرٌلاسَاحِلَ لهُ

تنطوی مجموعة التعالیم الدینیة التی تهدی الإنسان فكریاً، وتوصله عملیاً إلى غایة الخلق -وهی العبودیة-على ثلاث حلقات أساسیة:
1- الحلقة الإعتقادیة.
2- الحلقة الأخلاقیة.
3- الحلقة الفقهیة وواجبات العباد.

وإنّالعنصرالأهمّ والعامل الأساسی للحلقة الإعتقادیة هوالتوحید إذاامتزج معه نفس الإنسان وتمّ تأسیسه فی ضمیره وفطرته:«وفی أنفسكم أفلا تبصرون»،«أفی الله شكّ فاطر السموات والأرض»
وقد احتفظ الإنسانبمعطیاته الفطریةطوال القرون والأعصار نتیجة تذكیرات الأنبیاء وأوصیائهم موفیاً بآثارها متعهداً بنتائجها،ولكن الفطرة تعرّضت للشرك والوثنیةبعدوفاة الأنبیاءبسببالغفلة عن وصایاهم وعن أوصیائهم حتى جدّد الأنبیاء اللاحقونتذكیر الناس وقاموا بتعلیمهم وتزكیتهم من جدید.
وبما أن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم علیه هو خاتم الأنبیاء والقرآن هوالكتاب الأخیر، لذلك حَرَصا على إنشاء ركائز بقاءالتوحید والإبتعاد عن الشرك، وإنالعنصر الرئیس فی حفظ التوحید وازدهاره- بعدما أبلغه رسول الله نفسه- هو إتجاه الناس إلى خلیفة رسول الله ووصیّه،ولذلك قام النبیّ صلّی الله علیه و آله و سلّم بتربیة وصیّه قبل البعثة فترعرع فی حضنه الرؤوم الدافئ وتربّى فی بیته وتخلّق بأخلاقه وأخذ بآدابه واتّسم بصفاته وكان معه منذ بدایة نزول الوحی فی غارحراء حتى اللحظة الأخیرة من عمره الشریف، وبذلك یكون النبیّ منذ الساعات الأولى لبعثته قد أكّد قاعدتین أساسیتین:
صلی الله علیه و آله و سلم
1- التوحید و عبادة الله جلّ جلاله .
2- التعریف بأمیرالمؤمنین علی علیه السلام و أوصیائه، فبیّن طیلة 23 سنة من نبوته الأبعاد المختلفة لشخصیة وصیّه ، والتی منها: العلم والأخلاق والعصمة والشجاعة والولایة و... حتى أنه فی اللحظات الأخیرة من حیاته قد أمر بإحضار قلم وورق لیكتب شیئا لایضلّ الناس بعده،ولیس هو –كما تؤكّد ذلك الأدلة القاطعة والمعطیات المؤكّدة–إلا وصیته المعتادة التی كان یوصی بها دائما ، ولكنهم منعوه ولم یسمحوا له بالكتابة ، ولو كان كتبها لفنّدوها واعتبروها هذیانا.

وتلك الوصیة هی التی صدعَ بها النبی الأعظم صلّی الله علیه و آله و سلّم حین أعلن قبل شهور من وفاته عن ارتحاله الوشیك وأخبرالناس بأنه سیؤدّی حجّة الوداع فمن أراد فلیرافقه ، وكان غرضه أن یستغلّ فرصة اجتماع الناس لیبیّن لهم الأمرین الهامّین وهما الحجّ والولایة.
    وبحسب ما تنصّ علیه الأحادیث والروایات فإنه قدحضر الموسم حوالی مئة وعشرین ألف شخص ومنذ بدایة الرحلة حاول النبی إعداد الأجواء لإبلاغ ولایة أمیرالمؤمنین فقام بإلقاء خطب فی مكة ومنى ومسجد الخیف یرمز فیها إلى الموضوع ، حتى هیأ الأجواء للإفصاح عن مهمته جهاراً ومن غیر مواربة.

ولمّا انتهى النبیّ صلّی الله علیه و آله و سلّم من أداء مناسك الحج أمره الله تعالى بالخروج من مكة ، فدعا رسول الله الناس للخروج وحشدهم فی وادی الجحفة إلى جانب غدیر خم، و بعد أداء صلاتی الظهر والعصر منیوم الإثنینالمصادف للثامن عشر من شهر ذی الحجة أمر ببناء منبر ووضع مظلة ثم ارتقى على المنبر وأوقف علیا إلى جانبه الأیمن وألقى خطبة استغرقت ما یزید عن الساعةوبعدها بایع الناس النبیّ وعلیاً واستمرتالمراسم لمدة ثلاثة أیام.

وقد اتّسمت تلك الخطبة التی اشتهرت فیما بعد بخطبة الغدیر بعدّة سماتٍ ، منها :
- أنها تُعتبر دورة تعلیمیة كاملة لمعرفة الإسلام بدءً بالتوحید ومروراً بالمبادئ الأخلاقیة ووصولاً إلى الأصول الفقهیة وواجبات العباد.
- اشتمالها على تأكیدات قاطعة بشأن مبدأ الإیمان ومعرفة الله وخلافة أمیرالمؤمنین والحسنین وسائر الأئمة.
- تأكیدها على اقتران القرآن بالعترة .
- تأكیدها على استمرار الإمامة إلى یوم القیامة.
- حدیثها عن شخصیة الإمام المهدی علیه السلام ومبادئ حكمه بشكل موجز.
- تحذیرها من وجود المنافقین والمستهزئین بالإسلام والأئمة الذین یدعون إلى النار ، وإن لم تُذكر فیها أسماؤهم وأنسابهم تفضلاً من النبیّوتكرماًعلیهم.
- تأویلها حوالی مئة آیة قرآنیةبأمیرالمؤمنین علیه السلام وأولاده ومحبیه وأصحابه وأیضا بأعدائه ومخالفیه.
- حدیثها عنمبایعة الناس لأمیرالمؤمنینشفاهاً وعملاً أیضاًبصفق أیدیهم على ید رسول الله وید أمیرالمؤمنین.
- عرضها لحوالی 200 فضیلة من فضائل أمیرالمؤمنین.
- تصریح النبی فیها بأن إبلاغ ولایة علی أمیرالمؤمنین وأولاده للناس مهمّة إلهیّة.
- تمیزها بالإهتمام بأصول علم النفس والتحلیل النفسی وعلم الإنسان ، واحتوائها على أسالیب التنبیه والتحذیر ، فتكررت فیها عبارة «مَعاشرالناس»57 مرة وكلمة «ألا» 51 مرة.
- اشتمالها على مقطع إعلامی مثیر ؛ للتأكید على أهمیة الولایة ، وذلك فی جزءها التاسع، وهو: «فلیبلّغ الحاضرُ الغائبَ والوالدُ الولدَ إلى یوم القیامة» و كذلك: «ألا و إنّ رأس الأمر بالمعروف أن تنتهوا إلى قولی(عن الإمامة)وتبلّغوه من لم یحضر وتأمروه بقبوله عنّی وتنهوه عن مخالفته».
والذی یبدو من نوعیة سلوك النبیّ صلّی الله علیه و آله و سلّم إزاء الحادث أنه أراد أن تتحولثقافة الغدیر إلى ثقافةعامة لدى الشعوب لیؤمنوا بولی الله ووصیّ رسوله ویعرفوه ویعتنقوا ولایته صیانةً للتوحید وحمایةً للدین.
والیوم ونحن نعیش فی القرن الحادی والعشرین وفی عصر اجتیاح الآراء البالیة والأدیان المنسوخة والمعتقدات الباطلة یجدر بالشیعة محاولة إعادة معرفة ذاتها والرجوع إلى البحر المعرفی لهذه الخطبة التاریخیة والسیر فی طریق النجاة والحریة وبذل قصارى جهدها من أجل تعمیم ثقافة الغدیر ، وذلك من خلال عدة أسالیب ، منها :

1-تشجیع الشباب وتحریضهم على حفظ نص خطبة الغدیر ومنح الحافظین جوائز ذات قیمة معنویة ،كإعطائهم تكلفة السفر إلى كربلاء لزیارة سیدالشهداء.

2-قراءة خطبة الغدیر وترجمتها ،وتفعیل ذلك فی الإحتفالات والإجتماعات الدینیة.

3-قراءة قسم من خطبة الغدیر فی حفلات عقد الزواج من أجل إیصالها إلى الأجیال القادمة.

4-جعل نسخة من خطبة الغدیر ضمن المهر إلى جانب القرآن بوصفه تلبیة لحدیث الثقلین.

5-نشر وإهداء الكتب المتعلّقة بموضوع خطبة الغدیر.

6-إنشاء لوحات فنیة تعتمد علىالعبارات الموجودة فی نص الخطبة أو نقشها على الأشیاء النفیسة.

7-تدریس نص الخطبة والمواضیع المتعلّقة بها فی المدارس والجامعات والحوزات العلمیة.

8-إجراء الدراسات والبحوث العلمیة بشأن خطبة الغدیر من خلال أطروحات البكالوریوس والماجستیر والدكتوراه فی شتى الفروع المرتبطة مثل العلوم الإسلامیة وعلم الحدیث وتاریخ الإسلام و ...

9-إلقاءالمحاضراتمنقبلالأساتذةوالباحثینحولخطبةالغدیروماتتضمنهامنمواضیععقائدیةوأخلاقیة.

10-ترجمة نصّ خطبة الغدیر أو مقتطفات منها إلى مختلف اللغات الحیة فی العالم وتقدیمها فی المواقع الإنترنتیة.

11-إعداد كتب تتحدث عن خطبة الغدیر وإهدائها فیالمناسبات العامة ، كحفلات عقد الزواج وولیمة الحج ونحوها.

12-تقدیم المنتوجات الثقافیة والتحف الفنیة وأشیاء الزینة التی تمّ انتاجها خصّیصاًلخطبة الغدیر إلى الشركات والمؤسسات الإنتاجیة والتجاریة لإهداءها إلى ممثلیها و الزبائن والعاملین.

13-تحضیرالكتب الخاصة للأطفال والیافعین حول موضوع خطبة الغدیر.

14-صناعة الأفلام والكرتونات وفیدیوكلیبات عن موضوعات خطبة الغدیر وعباراتها.

15-اختیارجمل قصیرة من خطبة الغدیر وإرسالها كرسائل نصیة عبرالهاتف الجوال فی المناسبات الشیعیة المختلفة.

16-تقدیم نص خطبة الغدیر والتعریف به كمصدر أصیل للبحوث والدراسات فی مجال التوحید والنبوة والإمامة والمهدویة و...

17-تقدیم الخطبة وشرحها لعامة الناس من قبل الأشخاص ولاسیما الشباب.

18-تشجیع الناس على نذر ختم خطبة الغدیر وتحفیزهم على تقدیمالنذور والتبرعات المالیة لنشر الخطبة.

19-إعداد ونشر خطبة الغدیر بصیغة الأقراص المدمجة والأشرطة الصوتیة وما إلى ذلك.

20-إنشاد الأناشید ونظم الأشعار وصیاغة القطع الأدبیةالمستلهمة من نص خطبة الغدیر.

21-تعلیم الأطفال جملاً قصیرة منها ، وتشجیعهم على حفظ نص الخطبةوترجمتها وتعلم المفاهیم الموجودة فیها.

22-استخدام الرسم والخط والفنون التخطیطیة والفنون التشكیلیة لتقدیم نص الخطبة ومضامینها.

23-إنتاج المسرحیات والأناشید المقتبسة عن نص خطبة الغدیر وعن الموضوعات المتعلقة بها.

ولا یفوتنا – ونحن فی نهایة كلمتنا هذه – أن نبشّر ناشری خطبة الغدیر بفوزهم بالرحمة الخاصة من النبیّ والأئمة الأطهار بمقتضى دعوةالنبیّ صلّی الله علیه و آله و سلّم المستجابة: «وانصُرمَن نَصَرهُ» ، ووعد الله تعالى ، حیث قال: «إن تَنصروااللهَ یَنصركمویُثبت أقدامكم».